محمد الغزالي

35

فقه السيرة ( الغزالي )

منه شك في أمر نبوّته ، والكلام هنا ، فرض للمستحيل كما قيل في سورة أخرى : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ( 81 ) [ الزخرف ] ، ولكن ما معنى سؤال أهل الكتاب ؟ ! . قالوا : المراد : الثقات المنصفون منهم ، فهم لن يكتموا شهادة الحق إذا طلبت إليهم . وعندي : أن العدول الصادقين من أهل الكتاب قلة لا يعوّل على حكمها ، وما أظن الآية تعني ذلك . ولكن المرء يزداد تبصّرا بنفاسة ما عنده من خير إذا رأى ما عند غيره من خلط ، ولو ارتبت لحظة في أن القران من عند اللّه ، ثمّ تصفحت كتب العهدين القديم والجديد ، لعدت - على عجل - إلى كتابك تتشبّث به ، وتحمد اللّه ألف مرة أن هديت إليه ! ! . وأحسب أن هذا ما تشير إليه الآية ، فإنّ تبيّن ما في الإسلام من حقّ يزداد قوة عند اكتشاف ما طرأ على الأديان الأولى من تشويه ، وهذا يتفق مع قوله تعالى : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [ البقرة : 120 ] ، ويزكي فهمنا هذا في الآية الكريمة ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال : « يا معشر المسلمين ، كيف تسألون أهل الكتاب ؟ ! وكتابكم الذي أنزل على نبيّكم أحدث الكتب باللّه ، تقرؤونه محضا لم يشب ، وقد حدّثكم اللّه أنّ أهل الكتاب بدّلوا كتاب اللّه وغيّروه ، وكتبوا بأيديهم الكتاب ، وقالوا : هو من عند اللّه لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم ؟ ! ولا ، واللّه ما رأينا منهم رجلا قطّ يسألكم عن الذي أنزل عليكم ! » . إن الإسلام من الناحية العقلية معرفة للحقيقة ، ومن الناحية العاطفية حبّ لها وإعزاز ، وكراهية للباطل وعداء صريح . إن هناك أناسا في مشاعرهم برودة يلقون بها الرأي وضدّه ! وقد يتصوّر هذا في بعض المسائل التافهة ، أما أن يتعلّق الأمر بالإيمان والإلحاد ، والفجور والعفاف ، فلا .